حضرت هذا الاسبوع ورشة عمل حول منهجية التغيير في المؤسسات.
هذه المنهجية ابتكرها العالم الامريكي الشهيرد. جون كوتر الاستاذ بكلية ادارة الاعمال بجامعة هارفارد وهي المعروفة بأنها أقوي كلية في العالم تدرس العلوم الادارية.
وقد كتب كوتر عن التغيير ومبادئه وخطواته الثماني المتتابعات المعروفة في كتاب بعنوان (قيادة التغيير) سنة 1996، ولما وجد أن القراءة في مفاهيم الادارة والقيادة قد تكون جافة بعض الشئ وخاصة لغير المتخصصين، قام بتأليف قصة سنة 2005 يقدم بين ثناياها ما يريد أن يقوله ولكن بطريقة شيقة-
وأسلوب القصص هذا هو الموضة الآن بين كتاب الادارة ولعل البعض يتذكر القصة الشهيرة (من حرك قطعة الجبن؟) لسبنسر جونسون وهي عن ضرورة التغيير (ولعلنا نتناولها فيما بعد ان شاء الله)
أما قصة اليوم وهي موضوع الورشة التي أقامتها مؤسسة (زاد) بفندق جراند حياة وأدارها مدرب أمريكي نشط من مؤسسة ISB اسمه (بل بلادينو) فهي (جبل الجليد يذوب Our iceberg is melting) فتحكي عن مجموعة من طيور البطريق تعيش فوق أحد جبال الثلج بالقارة القطبية، مرت بعملية تغيير وضحت فيها خطوات كوتر الثمانية.
1- بينما تحيا جميع البطاريق هانئة لايعكر صفوها شئ، كان أحد البطاريق يتمتع بالفضول وحب الاستكشاف، فلاحظ ما لم تلحظه بقية البطاريق من أن الجبل الذي يعيشون عليه به بعض الشقوق، بل ان جزءا منه بالفعل قد ذاب وتكونت بحيرة صغيرة من الثلج الذائب، واستنتج من ذلك أن الجبل قد اصبح هشا ومهددا بالإنهيار.
صاح (فريد) منذرا قومه من البطاريق ولكن لما كان يفتقد المنصب والسلطة والمكانة في قومه ، لم يلتفت اليه أحد.
لم يتسرب اليأس الي قلب فريد ولم يفت في عضده فشل محاولات سابقة لإنذار القوم قام بها بطارقة من قبله، فقام من فوره الي(أليس) وهو أحد اعضاء مجلس قيادة قبيلة البطارقة، المعروف بجديته وحزمه، واصطحبه الي مكان الشقوق وأراها له بنفسه.
2- وبينما انتاب الفزع أليس، هرع الي زملائه في مجلس القيادة الذين سخروا من كلامه، فخطر بباله علي الفور إحضار فريد ليقوم بنفسه بشرح الموضوع وخطورته، مستعينا بنماذج توضح لمجلس القيادة وجهة نظره، لكن عضوا آخر بمجلس القيادة اسمه No No لما رأي ميل زملاءه الي تصديق فريد وأليس قام بمهاجمتهما وتسفيه آراءهما،وحين طرح عضو آخر تكوين لجنة لدراسة الموضوع مما يجعل الفكرة تخرج من مرحلة الطوارئ الهامة الي مرحلة الامور العادية غير المستعجلة، اقترح اليس علي الفور دعوة الجمعية العمومية بكاملها لعرض الامر عليها، واستعان بإقناعهم بمشاهدة تجربة أجرتها فتاة بطريقية يقال لها (بودي) قامت بملأ زجاجة بالماء وتركها للرياح الثلجية بعض الوقت، فلما وصل الماء لدرجة تحوله الي ثلج حدثت فرقعة وشقوقا في الزجاجة، عندئذ انهارت مقاومة المقاومين بما فيهم مستر No No , ودعيت الجمعية العمومية للإجتماع، واصبح واضحا تكون فريق يدعو للتغيير مكون من فريد واليس وبودي.
3- حدثت مناقشات مطولة في هذا الاجتماع ، كلها دارت حول اجراءات محدودة لإصلاح الشقوق ، لكن فريد وأليس وبودي والبروفيسور( وهو معلم ذو شخصية تحليلية انضم لفريق التغيير حديثا) قاموا بتقديم اقتراح لتغييير الوجهة وتعديل الاهداف، انه انتقال القبيلة بكاملها الي مكان آخر تتوافر فيه شروطهم ولا يتعارض مع مبادأهم، ليواصلوا حياتهم فيه ولا تتعرض فيه القبيلة للأخطار، وحاز هذا الاقتراح في النهاية علي موافقة أكثر من نصف المجتمعين بقليل، رغم المحاولات المستميتة من مستر No No وجماعته.
4-ومن أجل إقناع القبيلة بصحة الرؤية التي يبشر بها فريق التغيير وأنها قد تكون منقذا للبطارقة من ضرر بالغ محتمل ، قام أعضاء الفريق بالانطلاق بين صفوف البطارقة ينشرون دعوتهم مستعينين بالملصقات والشعارات والاعلام.
5- نتج عن الدعوة قيام الفريق باختيار مجموعة من البطارقة الشباب الاشداء وتكليفهم بالبحث عن المكان المناسب، وتمكينا لهؤلاء المستكشفين قام الفريق بإمدادهم بكل ما يلزم لهم من أداء مهمتهم سواء التدريب أو التمويل.
6-ولما طال انتظار قبيلة البطارقة للمستكشفين منهم وحتي لا يتسرب الملل اليهم ولكيلا يدفعهم ذلك الي الانضمام الي مستر No no قام فريق التغيير بالاعداد لحفل كبير يقام ابتهاجا بعودة المستكشفين يحتوي علي فقرات عديدة تشيد بمجهوداتهم وترفع من أزرهم وترسخ لرؤيتهم وترفع الروح المعنوية للبطاريق، وتحافظ علي روح الحماسة التي وصلوا اليها.
7- ولم يكتف الفريق بذلك، بل انهم قاموا بتجهيز فريق آخر من المستكشفين ودفعه للعمل ، وذلك لاكتشاف أماكن أخري تصلح لأن تحيا القبيلة فوقها، ويذلك تحولت القبيلة الي خلية نحل، كل فرد فيها يتملكه الحلم وتملأ عيه وجدانه بازدهار القبيلة وتمتعها بالامن والامان.
وأخيرا وجد المستكشفون المكان المناسب وانتقلت القبيلة الي مرحلة جديدة وانجاز جديد في حياتها، وفي العام التالي انتقلوا الي مكان آخر حدده المستكشفون من قبل، وتعددت الانجازات.
8- ولما كان أليس-قائد الفريق- يشرف ببصيرة وبمجهود ات لا تمل علي أعضاء فريقه، فقد استطاع أن يحوز ثقة أفراد القبيلة فمكنوهم من مواقع التأثير و صدارة المشهد، ، فأصبح أليس هو قائد البطاريق بعد تقاعد القائد السابق ، وانتخب فريد عضوا بمجلس القيادة.
تري هل استطاع د. كوتر تبسيط مراحل التغيير وخظواته؟؟ أنا أري ذلك
ولنناقش هذه القضية ولنفصل الخطوات الثمانية بتوسع في تدوينة قادمة إذا شاء الكريم الرحيم.

هناك 6 تعليقات:
لو كتب هذه القصة مؤلف مصري لنسب التشققات التي وجدوها في الجليد الى جماعة الاخوان البطريقيون المحظورة
هذه خاطرة جالت في ذهني بينما كنت أقرأهذا الموضوع القيم
وأخطر ما في خطوات التغيير هذه هي الوصول بالأفراد الى خلية النحل العاملة تحت مظلة مشروع قومي موحد ، ومهما صغرت الأدوار في هذا المشروع الا أنها ستظل أدوارا مهمة تقي أصحابها من التبلد والأنتخة والانشغال بالنقد وتصيد الأخطاء للعاملين ، ومن خلال هذا المشروع القومي تنبع القيادات وتبرز الكفاءات ويمحص الإخلاص ، وبدون الوصول الى هذا المشروع القومي مهما بدا صغيرا أو مرحليا ستظل الأمور سمك لبن تمر هندي
جزاك الله خيرا على هذه الوجبات الدسمة التي تجود علينا بها دائما
وتقبل تحياتي واحترامي
الاخ ابونظارة
ما كتبته هو الذي يعد وجبة دسمة !!
وأزيد فأقول ما كتبته سابقا ومصدقا علي كلامك: أن الادارة حرفة كأي حرفة لاينبغي لمن يتصدر قيادة الناس أن يكون هاويا، يتعلم بالتجربة والخطأ، بل لا بد من الدراسة المتعمقة والاستفادة من تجارب وأبحاث وتراث الاخرين،
وهذا ما تفعله كل الدول المحترمة والمؤسسات العملاقة فلا تكليف لمركز قيادي إلا بعد المرور بتأهيل مناسب.
السلام عليكم
بارك الله فيك
انا درست ادارة وكان الدكتور اللي بيدرسها لي اسمه محمد عويس وكانت المحاضرة ممتعة جدا بالنسبة لي وكل الدفعة
وكنا بننتظرها بشغف
انما اكتشفت دلوقتي بصراحة ان اللي قريته كان امتع وابسط بكتير فعلا مع انه نفس الخطوات
الله يبارك في قلمك ومنتظرة التدوينة القادمة
تحياتي
جزاكم الله خيراً دكتور إيهاب, قصة رائعة أفادتنى كثيراً جداً فى بعض الأمور. ومنتظرين باقى الموضوع.
الاخوات ّnonoymm , وعاشقة الشهادة وعاشقة فلسطين
الحكمة ضالة المؤمن
أني وجدها فهو احق بها
ولعلنا نستطيع الحصول علي استفادة أكبير من تطبيقات نموذج كوتر للتغيير الذي سنناقشه ان شاء الله
إرسال تعليق