ووعدت بنشر ذكريات الأخ الأستاذ سعد حجاج رفيق الاستاذ عاكف، والتالي له في قائمة المحكوم عليهم بالاعدام وقد نشرت أولا بمجلة لواء الاسلام سنة 1988، فلنر هذه الملحمة الانسانية ولنعش بين صفحاتها، وأترككم معهم.
صفحة من ذكريات الاستاذ سعــــد حجــــاج
أعادت ذكريات الأخ / محمد عاكف الي ذهني أحداث تلك الأيام التي كنا ننتظر فيها حكم الإعدام .
وأذكر انه عند سماعنا الحكم بالاعدام عقب تمثيلية حادث المنشية ، رأي الطغاة ما لم يكن في حسبانهم ، رأوا شباباً متعطشاً للشهادة في سبيل دعوته ولرفعه دينه ووطنه .
وقتها وقف الأخ الفاضل محمد عاكف وهتف أمام المحكمة: " الله أكبر ولله الحمد .. غداً نلقي الأحبة محمداً وصحبه" .
وفي السيارات التي اقتادتنا الي السجن الحربي لم ينقطع ترديدنا للشعار الذي أحببناه وملك علينا مشاعرنا "الموت في سبيل الله أسمي أمانينا ".
وصلت بنا السيارات الي السجن الحربي ... وجدنا كثيراً من الضباط والجنود المسلحين في انتظارنا علي الجانبين من البوابة حتي مكاتب التعذيب ... ونادي مجرم السجن ياسين بصوت أجش :
اللي رقبته حتطير بكرة يطلع خطوة للأمام
تقدمنا نحن الخمسة الذين حكم علينا بالاعدام في ذلك اليوم ... أوقفونا في مواجهة بقية إخواننا ثم نودى علي المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبعدهم ذوى الأحكام الأقل فالأقل، ولم يتبقي الا الذين حكم لهم بالبراءة ....
أجهش من حكم لهم بالبراءة بالبكاء، وتعالت أصواتهم بالدعاء لنا، فاربد وجه حمزة البسيوني وقال :ولاد ...........خسارة فيهم البراءة . وأمر زبانيته أن يأخذوهم ويذيقوهم سوء العذاب .
العشاء كباب
ادخلونا نحن الخمسة المحكوم عليهم بالاعدام الي غرفة كبيرة مفروشة، و بعد لحظات دخل علينا ضابطان وبعض الجنود يحملون طعاماً، وتحدث الضابطان إلينا برقة لم نعهدها منهما، وتركونا لتناول الطعام ... كشفنا عنه فوجدناه لحماً محمراً وكباباً ! وهي أشياء لم نرها منذ دخولنا السجن قال أحدنا : أخشى أن يكون بالطعام سم . قلت لـه : يا جدع سمي باسم الله وتوكل .
جاء الضابطان يسألان ان كنا نريد شيئا، فطلبت إحضار مصحفي من غرفة السجن لأكتب عليه إهداء لوالدي وزوجتي وأبنائي وطلب الأخ صلاح عبد المعطي نفس الطلب .
أغلقوا علينا الباب وبدأنا نقرأ أدعية المساء بقلوب راضية بما كتب الله لنا ودعوناه تعالي النصر لدعوته وألا يجعل للشيطان سلطاناً علي قلوبنا حتي نلقاه وهو عنا راضٍ .
بعد وقت قصير أخذنا الي حجرات الإعدام الانفرادية (ويسمونها الشفخانة) وألبسونا ملابس الاعدام الحمراء، وأخذوا منا ملابسنا حتي الجوارب وأربطة الأحذية خوفاً من أن ننتحر ! اتفقنا أنه في حالة ذهاب الأخ الأول (عاكف) لتنفيذ الإعدام أن يعطي إشارة بالخبط علي الحائط ثلاث خبطات متتالية لنستعد للقاء الله ...اختليت في الزنزانة ... كنت أقرأ الآية من القرآن فتنزل علي قلبي برداً وسلاماً ... وأدعو الله فأحس بالاستجابة علي الفور، غمرتني السعادة وأنا أقرأ آيات من سورة الواقعة في صلاتي، وكأني رأيت الحور العين أمام عيني، وأحسست بطعم طيور وفاكهة الجنة، وهامت روحي في ملكوت السموات والأرض .
فرغت من الصلاة فوجدت علي باب الزنزانة علي صبرى وحمزة البسيوني وصلاح دسوقي ... قال علي صبرى : جئنا إليك مرتين وأنت تصلي .... سيبكم بقي من الخرافات دى ... .
سألني إن كنت أريد رؤية أحد من أهلي قبل الموت فقلت : لا أريد الآن وجه الله تعالي والشهادة في سبيله . امتقع وجهه ومن معه وقال : ذنبك علي جنبك ... أنت حتموت بكره، قلت : هذا الأمر ليس بأيديكم إنما بيد الله وحده.
بعد ذهابهم أخذتني سِنَةُ من النوم فرأيت بيتنا الريفي، وكان به شجرة عنب جفت منذ فترة من قبل اعتقالي ... رأيتها قد أينعت واخضرت، و دخل فرع منها حجرة نومي، و رأيت والدى يحتضن هذا الفرع ويقبله، وأنا أقول له : لا تقبل الشجر إن ذلك غير جائز، فإذا به يقول : الشجر روح أحياها الله تعالي .
تنبهت من غفوتي وسألت ربي الثبات .....غلبني النوم مرة أخرى فتكررت الرؤيا بنصها .
في الليلة التالية عند التاسعة مساء، سمعت الدقات الثلاث، وعلمت ان الأخ عاكف قد أخذوه ليعدموه .
أعددت نفسي للشهادة، مرت ربع ساعة لم يفتح خلالها باب زنزانتي ... ولكني فوجئت بالأخ عاكف يمر عليّ ويخبرني بأمر المحادثة الهاتفية وتخفيف الحكم الي الاشغال الشاقة المؤبدة .
لم أطمئن للخبر حتي جاء الصباح، وأذيع ذلك علي جميع الإخوان بالسجن الكبير فسجد الإخوان شكرا لله تعالي .
__________________________________________
ملحوظة: توفي الاستاذ سعد حجاج بعد ذلك اليوم بأربعين سنة ، وذلك في 12-8-1994 بعد حياة حافلة بالعمل والجهاد لدين الله تعالي، رحمه الله رحمة واسعة.
هناك 35 تعليقًا:
اللهم يا مقلب القلوب ثبتنا على دينك وعلى دعوتك..
رحم الأموات منهم جميعا وغفر لهم .. وبارك االله في اعمار الأحياء منهم وجعلها خالصة له
جزاك الله خيرا
يارب توفنا اليك وانت تحب لقاءنا ونحن نحب لقاءك
يارب ثبتنا حتى الممات
يارب ثبت قلوبنا على دينك
ياررب ارزقني واخواني وامي واخوتي ومن احب شهادة في سبيلك
امين امين امين
العسكري عتريس
الثبات ليس من عملنا نحن
إنه من الله
(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم)
الاخ أحمد مختار
سعدت بوجودكم ولا تحرمنا من آراءكم
تقبل الله دعاءكم
ولعلك تلحظ شيئا عجيبا في ذكريات الاستاذ عاكف والاستاذ حجاج، أنهم عندما حكم عليهم ظلما بالاعدام رضوا بقدر الله ولم يخطر ببالهم أبدا استعطاف الحكام
لعلمهم أن ذلك وأن كان يحتمل انقاذ حياتهم إلا أن فيه بالتأكيد التراجع عن دعوتهم التي هي فعلا لا قولا ثبت أنها أغلي عندهم من أرواحهم
تقبل الله منهم
والله يادكتور ايهاب الواحد لما بيقرأأو يسمع اخبار هؤلاء البطال بيحس انهم صحابة أو يكادون وعندماينظر لحال الواحد منا اليوم يستصغر نفسه كثيرا وعندما يتذكر جلاديهم يشفق عليهم من يوم الحساب
والله يادكتور ايهاب الواحد لما بيقرأأو يسمع اخبار هؤلاء الابطال بيحس انهم صحابة أو يكادون وعندماينظر لحال الواحد منا اليوم يستصغر نفسه كثيرا وعندما يتذكر جلاديهم يشفق عليهم من يوم الحساب
رحم اللها الحاج سعد حجاج وجميع اخوانه الذين ضحوا بكل عزيز وغال من اجل هذه الدعوة المباركة واعاننا على مواصلة المسيرة والموت على ما ماتوا عليه
الدكتور المحترم
ايهاب
سعيد بزيارتى لمدونتك هذه واتمنى ان ارى المرة القادمة التنوع فالمفروض ان نتعلم من حضرتك ..اتمنى ان ارى اراؤك فيما يدور حولنا من سياسة ودين وعلم فى الانتظار ولك كل التحية والتقدير
التنوع يا دكتور
رائعة وانصحكم بمشاهدة برنامج مراجعات مع المرشد العام للاخوان الدكتور محمد مهدى عاكف
على قناة الحوار كل اثنين الساعة التاسعة مساءا
أول حلقتين خلصوا وكانوا غاية فى الروعة
أخي الحبيب الاستاذ علاء
تحية وسلاما
إن بطولة هؤلاء لم تكن من فلااغ وإنما رأي الله صفاء ما في قلوبهم وما انطوت عليه من إخلاص فوهبهم حبه وثباته وتوفيقه
(يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الاسري إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا)
أخي الاستاذ حسن توفيق
بعد التحية والاحترام
نعم الناصح ونعمت النصيحة
ولعلك قرأت رأيي في مسألة الاضرابات والاحتجاجات
في عدة تدوينات وفي تعليقات مبثوثة عند زملاءنا المدونين
ولا أملك لك إلا أن اقول: أمرك يا سيدي
أخونا النابه حسام
شكرا علي المعلومة ولكني اشاهد الحلقات مسجلة من موقع الشرقية اون لاين لأن قناة الحوار تم حظرها من النايل سات
روى مالك: بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أهل بدر فيكم)؟ قال: "خيارنا" فقال: "إنهم كذلك فينا". فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة. وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضل الجهاد يوم بدر؛ لأن بناء الإسلام كان عليه. أهـ
وأحسب يا أخي أن هذا الرعيل من الاخوان المجاهدين قد حازوا أعلى درجات الشرف بجهادهم واخلاصهم نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحد
وأسأل الله أن يلحقنا بهم في الصالحين مع الأحبة ، محمد وصحبه
ألست مشتاقا مثلى الى اللقيا ؟
أخي الحبيب
ابو نظارة
تشبيه طيب بهذاالرعيل الاول من الاخوان بالرعيل الاول من الصحابةالكرام أهل بدر
تقبل الله منهم
والشوق كلمة اقل مما في قلبي لك
السلام عليكم ةورحمه الله وبركاته
استاذنا الفاضل
يشهد الله انى بكل حرف فى مدونتك اتعلم الكثير الكثير وكل مفيد فما كنت اعلم عن هذا العلم الجليل سوى اسمه
جزاكم الله عنا جميعا خير الجزاء ووفقكم الله ونرجوا من حضرتك دائما المزيد وكل جديد
وأسال الله ان يثبتنى ويثبت كل المسلمين على الدرب القويم والصراط المستقيم
والسلام عليكم
ابنكم احمد جمال
رحم الله اساتذتنا العظام و بارك في كل من تبني فكرا سديدا و دافع عنه بشجاعة فما كل البشر يستطيعون ذلك
الاخت ام احمد المصرية
سلاما وتحية من الشرقية الي الاسكندرية
ان الثبات في حد ذاته شجاعة
الاخ ابو يحيي وآدم
بارك الله فيك وعفوا اني لا املك موهبتك
ولا نصفها
فدعني أحلق معك في آفاقك
هي دعوة علمة من تمسكو بها كيف يبيعون الدانيا ويشترون الاخرة
جزاك الله خيرا علي تلك المساحة من التاريخ الطيب
ادعوك لزيارة مدونتي واتمني التواصل الدائم بيننا
أخي ابراهيم
من لم يتعلم من تاريخه فلا مستقبل له
ألم يحكي الله لنا قصص الأولين؟
((لقد كان في قصصهم عبرة للأولي الألباب))
ومدونتك جميلة ماشاء الله وفيها مجهود واضح فإلي الأمام دائما
السلام عليكم
ربنا يبارك فيك يا دكتور والله انا اول مرة اعرف الحاجات دي وحضرتك بجد بتضيفلي وبتعلمني كتير ربنا يعزك يارب
مش عارفة ازاي الناس اللي زي دي بالطريقة والكيفية دي يتحاربوا بايد مسلمين زيهم ربنا يثبتهم ويثبتنا على حب الله ورسوله يارب
سلمت يمناك
وبورك قلمك
صفحات جمياة من تاريخ مشرق
بارك الله فيك
و تقبل تحياتي
سبحان الله
قدر الله ان يموت هؤلاء وان يحياهؤلاء
وان يموت بعد 40 يوم من حكم البراءة
ومالنا الانتوكل عي الله وقد هدانا سبلنا؟؟
الاخت أم إسراء (nononymm)
كلنا يا فندم نتعلم من بعضنا البعض
وكل تدوينة أو حوار حولها إضافة للفكر وإثراء للوجدان
ومن قال قد علمت فقد جهل
نعوذ بالله من الجهل ونسألة الزيادة في العلم
الاخ أحمد القبرصي
سعدت بكم
وشكرا لكم سرعة الاستجابة في التعليق عند الاستاذة فرنسا هانم
تري هل نستطيع نحن صنع مستقبلا مشرقا يراه من بعدنا كما نري الان عمل الرعيل الأول من إخواننا؟؟
ارجو ذلك بل أتوقعه
والله المستعان
الاخ الافغاني
نعم من يتوكل علي الله فهو حسبه
أليس الله بكاف عبده؟؟
بلي يارب
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
جزاكم الله خيرا يا دكتور
دائما ما اقرا عن ذكريات الاخوان وخصوصا مدونه الدكتور الزعفرانى
واشد الذكريات الما هى ذكريات السجن الحربى
لعنه الله على الزبانيه والمجرمين ورحم الله شهداء الاخوان وفك الله اسر كل معتقل ظلما
اللهم امين
الاخ الكريم السلفي الاخواني
مرحبا بك
ولنا لما اقرا أو أسمع عن ذكريات تلك الفترة لا أتخيل ابدا كبشر اني يمكنني الصمود
انه التثبيت الرباني اخي الكريم
والدعوة لا تقوم الا علي اصحاب العزائم
الله أكبر ولله الحمد
أنا أبكي فكم نشتاق نحن لهذا الشعور الجميل بالعزة تقبل الله منهم
أبكتنى تلك الذكريات العطرة ولكنها جددت لدى معني الكرامة والتضحية
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه غفر الله لنا ولهم وأسكنهم الفردوس الأعلي من الجنة
وجعلنا مثلهم بل أتمنى أن أكون أفضل
تلك الذكريات أعطتنى دافعا قويا للعمل أكثر
الضار والنافع هو الله
الموت في سبيل الله أسمى أمانينا
الحب في الله بأرقي صوره
كلها معاني رائعة بحق
جزاك الله خيرا دكتورنا الكريم لإنك عرضتها ..جزاك الله الفردوس الأعلي من الجنة ..حكى لى أبي بعض الذكريات عن هؤلاء الرياحين ولكن قراءتها مكتوبة بأحاسيسهم هم لها مذاق آخر أجمل
الاستاذة خديجة
السلام عليكم
يحتاج الواحد منا بين فينة وأخري الي تفقد سير الكبار في دعوتنا لنأخذ منها العبرة وترق بها القلوب ونزداد يقينا بصحة منهجنا وسلامة طريقناوالاهم أن نري يد الله تعمل:
(إنني معكما اسمع وأري)
جزاك الله كل الخير يا دكتور إيهاب فهذه المرة الاولى التى اسمع عن هذا المجاهد البطل فلقد سمعت القصة الخاصة بفضيلة المرشدمرارا ولكنى لم اعلم شئ عن رفاقه فى هذا الحكم الظالم وكنت كلما نظرت الى وجه فضيلته الابوى وسماحت قسماته الطيبة اتعجب من فعل هذه الدعوة المباركة بمعتنقيها فرغم ما وقع عليه من ظلم حرمه زهرة شبابه ها هو يقود كبرى الحركات الاسلامية لا تجد فى فكره الا ما ينفع به امته وبلده ودينه لايفكر فى ثأر او يحمل لاحد ضغينه رغم ان تلاميذ زبانية التعزيب مايزالون يسلطون عليه اقلام المرتزقه والموتورين الكارهين للطهر والنقاء والفضيلة.
شكرا اختي الكريمة الدكتورة ايمان
وقد كان هدفي من ايراد هذه الذكريات بعد إستخلاص العبر منها هو حفظ أقدار هؤلاء الكبار فقدعانوا ما لم يعانيه أحد معاصر
تقبل الله منهم
ربنا يجزي حضرتك خير تدوينة دسمة جدا
و بجد استفدنا منها
جزاكم الله خير
سعيد جدا بزيارت حضرتك لمدونتي
نورتنا يا دكتور معاذ
وربنا ينفع بك
إرسال تعليق